هند خطاب: مفهوم السعادة

Posted on November 1, 2012 by



 

“مغمومه على ايه ما تحمدي ربنا كده”..”يا بنتي هو في ايه ماكفايه انك بصحتك”..”على فكرة بقى حزنك دا بطر والبطران سكته قطران زي ما بيقولوا”..وفي حديث جانبي هامس “أنا مش عارفة هي عايزه أيه أكتر من كده دي دكتورة وشغاله شغلانه كويسه وبتاخد مرتب على قلبها أد كده”.

 

 

سمعت هذه الجمل مرارا في الفترة الأخيرة منذ أن بدأت أعاني من اكتئاب وبدا واضحا عليّ، والمبهر في الأمر انني لم أسأل أحد عن رأيه ولم أطلب نصيحة ولكن المصريون بحكم العادة يشعرون أن واجبهم اتجاهك يتلخص في “تقطيمك ليل نهار” لأن الاكتئاب على حد علمهم “مياعه” لذا يتوجب عليهم أن “يدوك فوق دماغك عشان تفوق شويه وتعرف إنك أحسن من غيرك”.

 

 

ولا أدري لم يربط المصريين بين الاكتئاب والظروف المادية أو الاجتماعية، لذلك احتاروا في أمري وسر اكتئابي مؤخرا، وبما أن لدي وظيفة براتب محترم، وأسرتي مستقرة متماسكة، ولدي ما يكفيني من الأصدقاء، قرروا “النبش” في منطقة أخرى وبدأ الجميع في أعطاء نفسهم الحق في السؤال بتحذلق عن حياتي الشخصية ولما لم يجدوا سببا يذكر، قرر الجميع أن اكتئابي نوع من أنواع الدلال والفراغ.

 

 

ولكن لا، لاكتئابي أسباب واضحة محددة جدا من السهل رصدها فقط عن طريق طرح سؤال واحد بسيط لم يخطر ببال أحد قبل الأمس عندما فاجئتني صديقة ذكية بالسؤال عن يومي، كيف كان؟؟

قلت بحدة غير مبرره: يومي! همممم تسألين عن يومي!! حسنا لنرى، يومي كان ككل يوم، اسيقظت في الصباح بصعوبة بالغة لأني أعاني من صداع نصفي لا يزول منذ أكثر من أسبوع بسبب عدم قدرتي على النوم وحالة الأرق الملازمة لي والتي تسببها الكوابيس العزيزة التي تزورني يوميا.

 

 

أرتديت ثياب العمل والتي هي في الغالب بذلة كاملة تغطي كل جسدي، استعددت للرحيل وحين خطوة أول خطوة خارج البناية فتحت أبواب الجحيم كالعادة، المارة والباعة وحتى رجال الشرطة الجميع تقريبا يعطي لنفسه الحق في أن “يصبح عليا” بشكل أو بأخر، فأسمع الكثير من “يا صباح اللي بتغني”..”صباح الفل يا جامد”..”ايه الصدر الجامد دا” –مع العلم انه من المستحيل أن يعرف أحد محيط صدري تحت بذلتي الكاملة- “بس بس مووووووز”..والكثير من التعليقات الأخرى الخادشة للحياء عن جمال مؤخرتي أو صدي أو جسدي! مصحوبه في بعض الأحيان بلمس مناطق في جسدي لو اتيحت الفرصة لأحدهم.

 

 

أسمع يوميا على الأقل 20 تعليقا قذرا مختلفا، يعلو ضغط دمي وتجف حنجرتي من الشجار في الطريق من منزلي حتى عملي، ليس فقط مع من يقوم بالتحرش بي بل مع المارة الشرفاء “أوي” الذين يقدروا قيمة المتحرش في مجتمعنا ويشعرون أن واجبهم الأخلاقي يحتم عليهم حمايته حتى النهاية، فمنهم من يعترض طريقي لو قررت ملاحقة متحرش ويقول لي “المسامح كريم، كل سنة وانتي طيبة” وعلى وجهه أغبى ابتسامه ممكن رسمها!! ومنهم من يتدخل في الشجار ويستعطفني أن أترك المتحرش لأنه “ياحرام عيل صغير” ومنهم بالطبع نوعي المفضل الذي يبدأ في سبي والتحرش اللفظي بي على غرار “بصي لنفسك ومنظرك الأول”..”انتى أصلا نازله عايزاهم يتحرشوا بيكي”..”ماهو لو كنتي عارفه دينك ولا عارفه ربنا وحاطة طرحه على راسك ولا مغطيه خلقتك ماكنش حد كلمك”!!

تقول لي صديقتي بتعجب ولما لا تركبي سيارة أجرة ستحميكي من كل هذا؟! فأفاجأها قائلة أن المسافة من بيتي لعملي لا تأخذ أكثر من 8 دقائق سيرا!! كل هذه المضايقات والتحرشات في 8 دقائق فقط!.

 

 

نظرت لي في أسى وقالت: أكملي، قلت: بس يا ستي، أذهب إلى عملي في أسوء حالة مزاجية ممكنه، أجلس طوال اليوم مهمومة أفكر في رحلة العودة التي لا تختلف كثيرا عن تجربتي في الصباح!

 

أنا لست ضعيفة أو قليلة الحيلة وأصر على أخذ حقي وحررت أكثر من محضر وبلاغ في أقسام الشرطة وأتشاجر بعنف إن لزم الأمر، ولكن كما ترين عندما يتكرر نفس السيناريو يوميا يصبح الأمر مرهقا أكبر من طاقة احتمالي، لذا حاولت مرارا إيجاد طريقة ملائمة لتفادي التحرشات، جربت أن أستمع إلى الأغاني بأعلى صوت ممكن في الطريق ولكن هذا الحل زاد الأمر سوءا فلم أكن قادرة على سماع خطوات المتحرشين “التقال” خلفي الذين ينتوون “التصبيح” عليا بلمس جسدي، وتفاقمت المأساة!

 

قررت أن أركب سيارة أجرة في طريق الذهاب والعودة كل يوم ولكن ميزانيتي لم تحتمل كل هذه المصاريف يوميا، فأنا مستقلة ماديا أعيش على راتبي فقط ولا أتلقى المساعدات من أحد، هذا بخلاف أن بعض سائقين التاكسي الشرفاء يتحرشون أيضا بدأ من النظر و”البحلقة” في المرآة الأمامية وانتهاءا بمحاولة فتح كلام عن الجنس!!

 

اقترحت علي أحد أصدقائي أن يوصلني على الأقل في طريق العودة فقط، ولكن مع الوقت بدأت أشعر أنني أشكل عبئا عليه حتى وإن لم يشكو.

اقترح عليَّ أحد اصدقائي أن أشتري سيارة مستعملة ولكن “منين يا حسرة”؟

 

 

جربت أن أركب المترو محطة واحدة حتى عملي ولعمري كان هذا أكثر قرار خاطئ اتخدته، فمحطة مترو رمسيس المجاورة لمنزلي في ميدان التحرير أصطبغت بصبغة الميدان مؤخرا واصبحت مكانا مقدسا للتحرش بجميع أنواعه، نادٍ صغير للمتحرشين الأشبال!

 

 

وكل هذه الحلول مرفوضه بالنسبة لي فأنا لا أرى أي منطق في التفكير في تقييد حريتي في السير في الشارع سواء بركوب سيارة أجرة أو سيارتي أو بالاستعانه برجل ليوصلني! لم يتوجب علي أنا أن أدفع الثمن وأن أوجد الحلول؟ أين القانون والأخلاق والتدين الذي يدعون؟ من يعطي هؤلاء الحق بانتهاكي بهذا الشكل والنجاة من العقاب؟

 

 

صدقا أخبريني يا صديقتي هل من العدل أن أحرم من أبسط حقوقي في الحياة وهو السير في الشوارع أمنة وتكبيل حريتي في ارتداء ما أريد، هل يكفيني انني متعلمة وأعمل في وظيفة محترمة وأتقاضى مبلغا معقولا كي أصبح سعيدة؟ هل من الطبيعي أن أشعر بانعدام الأمان وأن تلازمني الكوابيس بسبب 16 دقيقة أقضيها وحدي في الشارع يوميا!!

 

 

هل أبالغ في اكتئابي وعزلتي وعدم رغبتي في النهوض من سريري؟ هل من العدل أن يسلب مني هذا الحق وأن ينحدر مستوى أدائي وتركيزي في العمل بسبب هذه المضايقات؟ هل من المنطقي أن تنعدم تقريبا حياتي الاجتماعية بسبب الضغط النفسي الشديد الذي أشعر به لو قررت النزول لملاقاة أصدقائي؟ هل يتوجب عليا الآن أن أجد رجلا متفرغا أعينه حارسا شخصيا يوصلني يوميا؟

نظرت لي صديقتي مطولا وبدأت الدموع تحتشد في عينيها وقالت باكية: أنا أيضا لست سعيدة وأواجه نفس الموقف تقريبا يوميا، وبدأت في سرد قصتها الحزينة وسط دموعها.

 

Advertisements
Tagged:
Posted in: Egypt, Human Rights, Women