بلند حمزة: لماذا الحوار

Posted on November 5, 2012 by



Photo: Lens Young Dimashqi

عندما بدأ الحَراك الثوري في سوريا ، بدأت الأصوات المطالبة بالابتعاد عن الحوار مع النظام – برأيي أن هذه الأصوات بدأت مع بدء التعامل القمعي مع المتظاهرين السلميين – و وصلَ الأمرُ إلى تخوين من يجلس على طاولة الحوار أو يفكرُ بالأمر ، و إلى الآن لا تزالُ هذه الفكرة قائمة ، و لأنني لا أملك المهْنيّة الكافية لسردِ مقال، سأقول ما أريد بنقاطٍ منفصلة

اخترتُ خلالَ الثورة في سوريا أن أكون متظاهراً أولاً و ناشطاً في المنشورات و كل ما يتعلق بهذا الأمر و أخيراً مسعفاً في بعض المشافي الميدانية  لخبرتي المتواضعة في التعامل مع الجروح ، و لم أكن ضمنَ أيٍّ من هذه المراحل ضدَّ أيِّ شخصٍ يفكّر بالجلوس على طاولة الحوار لأسبابٍ أوّلها اقتناعي أنّ الحوارَ هو الأداةُ الرئيسيةُ للممارسة السياسيَّة، و ثانيها اقتناعي أنَّ الحوار بحدِّ ذاته لا يمكنُ أن يكون موقفاً . الموقف هو ما يُطرحُ خلالَ هذا الحوار و ما يستنِدُ عليه هذا الطرح من مبادئ

لماذا يكون الإصرارُ على أن يثورَ الطبيبُ بمضعه و الكاتب بقلمه و المصوّر بكاميرته و الجنديّ بسلاحه ، دون أن ندعوَ السياسيّ لأن يثور على طريقته أيضاً ؟ ماهي المكتسبات التي يمكن للسياسيّ أن ينالها لقضيّته دونَ حوار ؟  لكلِّ شخص في الحَراك الثوريّ حريّةُ اختيار طريقته في الثورة و دعمِها ، و عندَ تخوين الحوار لذاته ، نكون قد تركنا السياسيُّ دونَ اداتهِ الأمرُ الذي يجعله شيئاً آخر لستُ في صددِ توصيفه ، هو غيرُ نفسِه و في ذلك خطأ

كما أنّ لكلٍّ طريقته في الثورة ، للكاتب السياسيّ أيضاً طريقته . آسفُ عندما أقرأ تعليقاتٍ و كتابات تتهكّمُ على التنظير و المنظّرين . جان جاك روسّو و رغم وفاته قبلَها ، كان منظّرَ الثورة الفرنسية بامتياز و ما كان لأحدٍ أن يطلبَ منه تركَ قلمه و حملَ السلاح أو تركَ قلمه و حمل ريشةٍ أو لافتة. في هذه الثورة منظّروها ممّن يستحقّون الاحترام و القراءة و الفهم و ممّن يُطلَبُ منهم الكثير

عندما عقَدت هيئةُ التنسيق الوطنيّة اجتماعَها التأسيسيّ كانت الطريقُ المؤدّية إلى مقر الاجتماع مليئةً بعناصر الأمن ، بالنسبة لي – كمتظاهر في ذلك الوقت – ساعدني هذا الأمر كثيراً ! لأنَّ انشغالَ عناصر الأمن بأية طريقة ، يسمحُ لي بدائرةٍ اوسع من الحرية التي يمكن أن أفعلَ ضمنَها الكثير. هذه النقطة برأيي قد تكونُ سبباً وحيداً كافياً لبدءِ عمليّة الحوار أو على الأقل لنبذِ فكرة تخوينه . نظامٌ كهذا لن يسمحَ أبداً بإقامة حوارٍ و نشاطٍ مدنيٍّ دون وجود مئات عناصر الأمن و دون استنفار مخابراته الأمرُ الذي قد يفتح أفقاً واسعاً للحَراك في مناطقَ أخرى

أثبتَ النظام و بالرغم من جميع دعواته للحوار أنّه هو ذاتُه غيرُ مستعدٍّ له ، باعتقاله عدداً من الشخصيات التي اختارت هذا الإطار من الثورة كالدكتور عبد العزيز الخيّر و رفقائه ، و مع ذلك نجد إصراراً غير مفهومٍ – بالنسبة لي على الأقل – أن هؤلاء لم يقدموا شيئاً للثورة

كان النّظام سابقاً مع عملية الحوار أكثرَ مما هو الآن ، فلم يكن إجرام الآلة العسكرية للنظام قد بلغ ما بلغ الآن وكان الحَراك يتصف بالسلميّة بشكلٍ واضح . أمّا الآن و بعد تفرّع الجانب المسلّح للثورة إلى عدة أقسام – الأمر الذي يفضّله النظام كثيراً و يلعبُ لطرفه – لم يعد النّظام بحاجةٍ إلى لعِبِ ورقةِ الحوار . لأ أملك الأدوات اللغوية المناسبة للتعبير عن هذه الفكرة ، و لكن برأيي أن الحوار الآن و العمل المدنيّ سيكون ضربةً مهمة للنظام

إلى الأصدقاء الذين أشرت لهم في هذا النص: يهمّني أن أعبّر عن نفسي مثلما أنا ، و يهمّني أن أكونَ واضحاً أمامكم بافكاري عن هذا الحلم الذي يُبنى ! لذلك

أنا ضد النّظام و عندما اقول إنّني ضدَّ النظام الاستبدادي يكونُ القصدُ النظامَ السوري الحالي إضافةً لأي نظامٍ آخر قد يأتي معيداً إنتاجَه

أنا مع العمل المدنيّ و الثورة السلميّة ، و لا أجدُ الثَّورة المسلّحة في صورتها الحاليّة حلاً

أنا مقتنعٌ بأن الجناح المسلّح للثورة نشأ بسبب الإجرام غير المحتمل للأداة العسكرية للنظام و لحماية المدنيين و هذا ما احترمه ، و أتمنى أن يتم تنظيمهُ ضمن إدارة سياسية سوريّة واحدة

احترامي لمن يمارسُ العملَ الثوريَّ المسلّح مبنيٌّ على تمتّعهِ بالجنسية السورية أولاً و على الابتعاد عن إنتاج النظام الحالي ببعض الممارسات

أنا مع الحوار

لستُ موجوداً حالياً ضمنَ الأراضي السوريّة و لا أرى ذلك سبباً لتوقّفي عن تناول الثّورة و عن حبها و عن إبداء الرأي في نقاطها – رغم أنّني أشعر بذلك

Advertisements
Tagged: