Hani Naim/هنيبعل.. يتسكّع في الأرجاء:هاني نعيم

Posted on February 14, 2013 by



هاني نعيم

الفتاة ذات الصدريّة الزرقاء التي تعرّضت للسحل والضرب على أيدي العسكر في ميدان التحرير

لسنا بحاجة إلى روايات رسميّة أو غير رسميّة لمشاهد السحل التي نشاهدها بين الحين والآخر، والتي تتسلل إلى الوعي البصري الجماعي. في اواخر عام 2011، عندما كان العسكر قابضاً على زمام السلطة في مصر، قامت مجموعة من الجنود بسحل إحدى المتظاهرات (تعرف أيضاً بالفتاة “ذات الصدريّة الزرقاء”)، ضربها وتجريدها من ملابسها، في ميدان التحرير أثناء مشاركتها في الاحتجاجات الشعبيّة ضد المجلس العسكري المستولي على الحكم.

سحل وضرب المحتج المصري أمام قصر الاتحادية

هذا المشهد يعود اليوم، وبظروف مشابهة. إذ قامت حفنة من عناصر الأمن بسحل، ضرب وتجريد أحد المتظاهرين من ملابسه أثناء مشاركته في الاحتجاجات ضد النظام الإسلامي أمام قصر الاتحاديّة الذي يقع في أحد أحياء الأثرياء شرق القاهرة.

يتشابه المشهدان في جوهرهما، رغم أنّ الضحيّة في الأول هي انثى، أما في الثاني فهو ذكر. يتكرر الجلاّد بخوذته، سلاحه، وهراوته في المشهدين. هنا، الجلاّد لا يُختصر فقط بالرجل الذي مارس مباشرة السحل والضرب بحق المتظاهرين العزّل، فالجلاد هو عبارة عن سلسلة طويلة من العنف والقمع، منبثقة عن جوهر السلطة المرتكزة على القهر والإخضاع. فالشخصيات الممثّلة لهذه السلسلة من رأس الهرم السلطوي، المسؤول الذي أصدر مرسوماً رسميّاً لقمع المحتجين، الضابط الذي أعطى أوامر لجنوده بممارسة أقصى أشكال العنف تجاه المدنيين، هُم ليسوا سوى أشكال سلطويّة لجوهر السلطة.

السلطة عندما تشعر بأنّها مهدّدة، تخلع عنها قناع “الديمقراطيّة”، وملحقاتها من “حقوق إنسان” و”الحفاظ على سلامة المواطنين”. تغسل وجهها من مستحضرات التجميل، لتُمارس عنفها بشكل مباشر. دون مواربة، وتمثيل. في عالم الواقع، تسعى السلطة إلى الحفاظ على مساحتها وحيّزها السلطوي مهما كلّف الأمر، ولو كان ذلك عبر سحل متظاهر معترض على سياساتها وتوجهها.

بغض النظر عن مَن يحكم، سنكون دائماً أمام مشاهد مماثلة من السحل، التعذيب والضرب للمدنيين المحتجين على سياسة النظام أو الحكومة. السلطة جوهرها واحد، ولو اختلفت فلسفة النظام. فالنظام إذا ما كان ديمقراطيّاً، دكتاتوريّاً، مدنيّاً، أو دينيّاً، سيُدافع عن سلطته بالقوّة، ولو اختلف منسوب استخدام العنف بين نظام وآخر، حتّى أنّ تعريف الدولة يقوم على احتكار العنف، والحق بممارسته للدفاع عن ذاتها.

المشهدان القادمان من شوارع القاهرة ليسا مجرّد مشهدان رمزيّان رغم الكثافة الرمزيّة التي يحملاها. ما قام به العساكر وعناصر الأمن كان واضحاً، ومباشراً. هي عمليّة استلاب للجسد، وقدرته على التعبير، التخيّل، الخلق والرفض. إخضاع للجسد كهيكل روحي، والمكان الذي تحيا فيه الفكرة، والثورة. هي محاولة ترويض للجسد وإعاقة تقدّمه ليعود إلى “بيت الطاعة”، ليسكن، ويهدأ تحت سلطة النظام.

ورغم أنّ السلطة بطبيعتها البطريركيّة، تُمارس قمعها في الدرجة الأولى تجاه المرأة، فهي لن تتوانى عن ممارسة القمع ذاته تجاه الرجل إذا ما حاول الإنتفاض عليها، فالسلطة جوهرها قهر الإنسان بغض النظر عن جنسه. فالجنود الذين قاموا بتعرية الفتاة في ميدان التحرير، قاموا أيضاً بتعرية الرجل أمام قصر الإتحادية، ما يعني أنّ لا أجساد خارجة عن سيطرة السلطة. وللآخرين يعني أنّ معركة حريّة الأجساد قد بدأت!

Advertisements